أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا..

14 أبريل 2012 | صحيفة السودان

مدخل:
مرفيعنين ضبلان وهازل
شقوا بطن الأسد المنازل
النبقى حزمة كفانا المهازل
(غناء وطني)

د. بركات موسي الحواتي

(1)

الاعتداء العسكري الذي وقع على (هجليج) – هو (غزو) بكل معايير القانون الدولي، وهو في عرف اهل السودان (حقارة) تتيح لهم – قانونا وعُرفا – حق الدفاع عن نفسه والتصدي لرد العدوان – وتأديب المتعدين واستعادة السيادة السليبة – ورغم ان وصف ما حدث يدخل في نطاق (الحرب المحدودة) الا ان ذلك، يجذب النظام الدولي – بكل آلياته وهو بعد اهم عناصر تناميها ، الى الدائرة الخارجية للحلقة، وليس صدفة، في التحليل العلمي، ان ينادي مجلس الامن – بانسحاب دولة الجنوب من هجليج وان تشهد الساحة الاقليمية والدولية صراعا محموما – باتجاه – ايقاف اي احتمالات (وهي واردة) للمزيد من التداعيات، كما انه لن يكون بعيدا كذلك، ان يصبح النظام الدولي ، وبكل قدراته، واي تحالفات محتملة له في آسيا او افريقيا (اسرائيل ، يوغندا .. على الاقرب).. لينقل آلاف الاطنان من المساعدات الغذائية، من ناحية ، وآلاف الاطنان من العتاد للمقاتلين من ناحية اخرى، بل ولربما رفع النظام الدولي من درجة الاستعداد من قواعده في المنطقة ..
٭ ان السيناريو الذي يهدد استقرار الوطن، يستدعي، الى الذاكرة كل مخططات التفكيك التي قادها النظام الدولي، في افريقيا، سواء سياسات ناعمة او سياسات خشنة، تمت بالوكالة، وهي تصب ، وفي كل الاحوال في صالح ضمانات الامن القومي الامريكي، ويكاد ان يكون ، هذا السيناريو معروفا، وهو الذي هيأ مسرح نيفاشا، وفتح فيما بعدها، وكان كاذبا ومراوغا، في كل ما وعد به، بل انه ظل وبذات وسائل وآليات سرقة حرب اكتوبر 1973، المصرية المجيدة، يحاول ان يسلب السودان ، حريته في الاستقرار الداخلي، بعد ان ضمن مشروع البداية .. في انفصال الجنوب المشروع بشهادة دولية، وبعد ان زرع وبمشروعية الاتفاقية فتائل الذعر في جنوب كردفان والنيل الازرق وابيي، وها هي هجليج وبتجاوز غير امين لما نصت عليه اتفاقية نيفاشا واوردة الدستور الانتقالي لسنة 2005م، بالتزام حدود اول يناير 1956م، وليزعم بعض اهل الجنوب بجنوبية هجليج ولعلنا نلاحظ ، وعلينا ان نلاحظ ، ومنذ الآن ان الخطوات في المجال السياسي (المفاوضات) سوف تتناسق تماما مع الخطوات التي تشير بها الاحداث في مسرح العمليات سواء من ناحية الموضوع او من ناحية سرعة التحرك، كما علينا ان نتذكر ان هناك (مايسترو خفي) من خارج الدائرة، وهو شريك بالوكالة.. وربما كان هو الاصل ذاته واذا كان المطلوب (من غزو) الوطن، ضاحية (هجليج) – هو تقوية مفاوضي حكومة الجنوب ، فان (الاسلوب)، لم ولن يكون هو الامثل في تطويع ادنى الوصول الى نتائج ايجابية تخلق السلام والاستقرار، لطرفيّ النزاع، وذلك لسبب بسيط هو ان انتزاع سيادة جزء اصيل من البلد يشكل (اهانة) غير مقبولة اساسا، ولن تكون – من المؤكد محلا للمزايدة: ان السودان مطالب، اخلاقيا وقانونيا، باستعادة هذه الارض اولا وانظر من ثم ما تطرحه اي متغيرات جديدة.. وفق معايير وطنية حادة .. ولقد يقتضي ذلك:

٭ توحيد الجبهة الوطنية ، اسرع ما يكون ، فالموقف لا يحتمل الحسابات الضيقة.
٭ التأكيد على تلاحم القوات المسلحة ، بشعبها ، بالخروج الى الشارع، في زمن واحد.. في كل انحاء الوطن.
٭ الوعي المسؤول ، بقيمة الوطن، .
الدعوة لطرح برنامج وطني، يستوعب المتغير الجوهري .
٭ في انه لا وقت للصراعات الحزبية.
٭ الوعي ، بالحلف غير المرئي (سياسيا وعسكريا) والذي يستهدف ضرب السودان، وتحويله الى صومال آخر..
٭ ان خبرة الشعب السوداني في ا لوحدة الوطنية قادرة على ان تحقق هذا السياج الناجع.

(2)

ان اي صراع سياسي ، في مرحلة ودرجاته المختلفة، لا يخرج عن فرضيات ثلاث :
٭ مدى قدرة اي من طرفي النزاع، من النجاة من نتائجه الوخيمة.
٭ هل ينتهي هذا الصراع، في اي من مراحله، الى غير رجعة ام انه قابل للتكرار.؟
٭ هل يمكن احتواء هذا الصراع، بحيث لا يفلت عن الزمام، ويشكل الفوضى.
وتورد الدكتور كارل د. دوتيس (ص 145) انه في حالة النهاية المرة انه ليس هناك احتمال الا لبقاء احد الجانبين المتصارعين على حساب دماره او استسلامه التام اما في صراع البقاء المشترك، فانه من المحتمل ان يكتب البقاء للجانبين اما قدرتهما على القتال او التعاون في المستقبل، ويضيف انه في صراعات (النهاية المرة)، يلجأ احد الخصمين او كلاهما الى استخدام استراتيجيات الاجادة بهدف تدمير القوات المسلحة او العمل على شل الحكومة او القضاء على قدرتها على التحرك.. ويكون للشعب، بالنسبة لأي من الطرفين، بأنه مستهدف تماما، مما يحركه ويدفعه للمشاركة الفاعلة في رد الاعتداء..

(3)

وارى ان نوايا الحركة الشعبية ، وقبل ان تكون حكومة لا دولة لم تكن تخرج – في استراتيجياتها عن خط التحرش ولأسباب واهية لا تنهض سببا موضوعيا.. لاعتماد المواجهات العسكرية وسيلة لفض النزاعات…
هل الذي يحدث بين دولة جوب السودان- والدولة الام، على الرغم من قواسم مشتركة استراتيجية وغير استراتيجية، هو صراع قابل للتحكم فيه ام لا – هل يتحول الطرفان الى منظومة من الاحداث المتوالية، التي لم يقبلها اي منهم في حسبانه – خصوصا – وان اطرافا كثيرة.. دولية واقليمية تمسك بحبل (اللعنة) ولقد يبدو مهما الاجابة على هذه الاسئلة لتلمس بعض الحقائق ..
٭ ما هو المحرك السياسي لدولة جنوب السودان.. تجاه الدولة الام؟!
٭ هل هو تحرك تتولاه حركة .. وارادة عامة.. تمثلها السلطة السياسية.. ام انه تحكم ممارسة السلطة الحاكمة هناك.. دون ارادة شعبها.. وفي الحالتين . لماذا ؟!
٭ هل تقوم دولة الجنوب بذلك بالوكالة كمخلب قط؟!
٭ فما هو (القط).. في واقع الامر (اسرائيل، الولايات المتحدة، الاتحاد الاوربي).
٭ ما هو دور الاتحاد الافريقي بالضبط.. ما هو موقفه الحقيقي؟!
٭ القوى المعارضة في الداخل، هل تقرأ الواقع الماثل بموضوعية، بعيدا عن المصالح الضيقة؟!
٭ هل تقرأ الحكومة الواقع.. بذات القراءة الموضوعية اللازمة.. ان يسمو الوطن فوق اجندة الصراع السياسي.
٭ ما هي الامكانيات المشتركة.. لمواجهة الغزو العسكري في ظل اهداف سياسية.. واضحة؟
٭ ان ما تمارسه حكومة جنوب السودان ، لم يكن بعيدا عن مقدمات التحرش اللفظي والسلوك السياسي.. وان رفع عملية الصراع لدرجة المواجهة العسكرية،لن يكون قطعا – كما سبق من تكييف، بأنه يتم في اطار الدولة الواحدة، والسيناريو الذي يحدث الآن ، هو بعيد ، فيما ارى ، من الحكمة المتأنية والتفكير السليم، او فيما مثله احد كتاب العلاقات الدولية: مثل حركات المبتدئين في لعبة الشطرنج من يعرفون عن اللعبة اقل مما يتراءى لهم، كل حركة من جانبهم تبدو لهم واضحة ولازمة وفي الحقيقة غالبا ما تكون هذه العمليات من السرعة والسذاجة بحيث يصعب تميزها عما هو انعكاس لها .. وبعد: ..
– هل تعرضت مصالح دولة جنوب السودان بالفعل للخطرالاستراتيجي.
– هل ثمة اي تجاوز للعدالة .. في مطالب دولة السودان.. تجاه دولة الجنوب..
– هل ثمة وضوح في محاور:

«what is ours, or due to us , and what is the irs or dve to them»
ولأن هناك الكثير من قواعد العلاقات الدولية التي تمنع الانزلاق للفوضى chaos فإن استخدام القوة الفعلية يقود – في واقع الامر الى المزيد من النتائج القابلة للتداعي اكثر واكثر…!
التحليل الممكن، لغزو هجليج، هو ان دولة الجنوب تحاول ان تحقق اهدافها الاستراتيجية national goals … على حساب السودان، وهي تستند في ذلك الى فكرة المصلحةinterest التي تقدم على القوة power اي ان القوة على هذا الاساس هي التأثير الذي تريده دولة الجنوب في علاقاتها ، مع دولة الشمال، وما تريده دولة الجنوب في هذه الحالة، وتحت الظروف الحالية ..
– زعزعة الاستقرار الوطني، بما يهيء المسرح لاسقاط النظام
– شل عصب الانتصار وحركة الحياة باحتلال مصادر النفط في هجليج.
– فتح معركة سياسية اخرى حول تبعية هجليج للجنوب، رغم انها لا تقع ضمن حدود 1956/1/1م، التي اوردتها اتفاقية نيفاشا ونص عليها دستور 2005م، الانتقالي.
– التأييد المعنوي والمبادئ لحركات المعارضة المسلحة، في جنوب كردفان وفي النيل الازرق وفي ابيي.
– الارهاق العسكري والسياسي والاقتصادي لحكومة الخرطوم.
والنتيجة الطبيعية ان هذا السلوك السياسي المستفز والذي يقوم على محاولة الكسب له انها على حساب السودان يؤكد على تعارض المصالح الكاملة.. والتي يؤدي تطورها الى حرب شاملة، والحرب (لا تتم الا على صورة واحدة وباسلوب واحد.. فهي التصادم الفعلي بوسيلة القوة المسلحة، بسبب التقاطعات والتناقضات الاساسية).وما يحدث الآن في عدد من طراف السودان التي تجاور دولة جنوب السودان من اعتداءات مسلحة.. يشكل بداية خطيرة لابد من ايقافها.. حتى لا ينهار الوطن.. فثمة اكثر من مدخل لتدخل عسكري خارجي يؤدي للمزيد من التعقيد والمشاكل..!!

(4)

العلاقة بين دولة جنوب السودان والسودان، علاقات تاريخية – لا فكاك منها وهي معقدة، وارى ان في اعقد مشاكلها.. بعدها النفسي الذي يقوده عدد من قادة الحركة .. بمرجعيات فكرية تتفاوت تفسيراتها لطبيعة العلاقة ولكنها تتفق على الاغلب… في دفع فاتورة الماضي… وما ارتكب في حق الجنوب من جرائم، كانت وليدة عصرها.. وهو مدخل خاطيء تماما يعمم الخطأ… ويحوله الى دافع يفتقد موضوعية النظر للمستقبل وهو الضمانة الوحيدة لبناء علاقات وطيدة وطيبة، مبنية على وحدة الادراك unity of perception والتفاهم المشترك mutual understanding..
وبعد .. فإن الوعي . بالواقع الماثل.. وضرورة تحليله والاستعداد السياسي والفكري.. له لا يمنع التصدى المشروع للدفاع عن الوطن واستعادة سيادته.. وهو امر ، وكما ذكرنا رهين بموقف عاجل لتحقيق الوحدة الوطنية.. كسياج متقدم ضد اي فوضى مقصودة او زحف غير مقدس تجاه الخرطوم… والثقة في وعي اهل السودان… غير قابلة للشك..

المصدر: الصحافة

1 نجمة2 نجمتان3 نجوم4 نجوم5 نجوم (لم يقيّم بعد)
Loading ... Loading ...
Please wait
كتبه في يوم 14 أبريل 2012. تحت تصنيف الأخبار, الأخبار المحلية, التقارير.

التعليق مغلق

الأخبار المحلية

واشنطن تقرر رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ عام 1997

قال مسؤول أمريكي إن الولايات المتحدة رفعت عقوبات اقتصادية عمرها 20 عاما على السودان اليوم الجمعة، وأرجع ذلك إلى التحسن…

6 أكتوبر 2017 / لا تعليق / التفاصيل

السودان يستعيد علاقاته التجارية المُعطلة مع دول الجوار

الخرطوم – في وقت يستعد فيه السودان لصدور القرار الأميركي الخاص بالرفع الكلي للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليه منذ نحو 20…

6 أكتوبر 2017 / لا تعليق / التفاصيل

أبرز عناوين الصحف السودانية الصادرة يوم الجمعة 6 سبتمبر 2017

الخرطوم – أبرزت صحف الخرطوم الصادرة صباح اليوم الجمعة العناوين التالية : آخر لحظة :- – إغلاق (67) معبراً دائماً…

6 أكتوبر 2017 / التعليقات على أبرز عناوين الصحف السودانية الصادرة يوم الجمعة 6 سبتمبر 2017 مغلقة / التفاصيل

غندور ونظيره الأثيوبي يلتقيان مشار لاعادة تنشيط عملية السلام في جنوب السودان

الخرطوم- يقوم وزير الخارجية البروفيسور ابراهيم غندور ووزير خارجية اثيوبيا دكتور وركينة قيريو حالياً بزيارة الي جنوب افريقيا في إطار…

6 أكتوبر 2017 / لا تعليق / التفاصيل

حمدي يدعو الى معالجة الاشكالات التى تواجه صناعة القطن بالبلاد

الخرطوم – دعا وزيرالمالية الأسبق عبد الرحيم حمدي الى اهمية معالجة كافة الاشاكلات التى تواجه صناعة القطن بالبلاد والتوسع في…

6 أكتوبر 2017 / لا تعليق / التفاصيل

مسؤول أمريكي: سنرفع العقوبات عن السودان

قال مسؤول أمريكي، الخميس، إن الولايات المتحدة تستعد لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ فترة طويلة على السودان، بعدما تحقق من…

6 أكتوبر 2017 / لا تعليق / التفاصيل

بحث في الإرشيف

ابحث حسب التاريخ
ابحث حسب التصنيف
ابحث في قووقل


تسجيل الدخول | تصميم عدن النيل